محمد العامري الغزي

216

المطالع البدرية في المنازل الرومية

والأمتعة ، وأقمنا هنالك في أنزه مكان إلى وقت الصلاة من يوم الجمعة ، فصلّيناها في مسجد البلد الجامع ، وهو مسجد متسع لكل أهل البلدة جامع ، إذ لا جمعة بها في سواه ، ولا خطبة فيما عداه ، [ 114 أ ] فوجدناه مسجدا عتيقا فضيا أنيسا أنيقا ، ذا أبنية متينة وعمارة مكينة « 1 » ، وهو مرتفع في أعلى المدينة ، يصعد إليه ويرقى في أطول طريق وأرفع مرقى ، وأمّا خطيبه ففي الأسمال « 2 » غاية ، وفي الإعجام آية ، وفي التبديل والتحريف نهاية ، مع ما يضاف إلى ذلك كما قيل من سوء الاعتقاد وتبديل القرآن كالنطق بالظاء مكان الضاد ، وذكره أحاديث لا نعرفها ، وصدور ترّهات « 3 » منه لا نقدر نصفها ، فقضينا ببطلان تلك الصلاة ، وقضيناها ظهرا ولا قوة إلّا باللّه ، ولما قضيت الصلاة انتشرنا في أرض تلك البلدة وأضافنا من الأصحاب بها عدّة ، فلم نزل نجوب « 4 » في أطرافها ، ونجول في أكنافها ، ونتفرج في مفترجاتها ، ونتنزه في متنزهاتها ، وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت ، وبيّنت « 5 » من صنعة الله وصبغته ما بيّنت ، فغدت تتبرّج في ملابس عبقرية ، وتتأرّج بأنفاس عنبرية ، وتشمخ على غيرها من البلدان « 6 » بارتفاعها ، وتفتخر [ 114 ب ] على مجاوريها بحصانتها وامتناعها ، وتزهو بطيب هوائها ومائها ، وتسمو بجدّة رونقها وقدم بنائها « 7 » ، وتستحل طيب فواكهها ، وتستجل عرائس منازهها ( وتقسم بعلو هضابها أن لا تفوز الثريا برشف رضابها ) « 8 » وقد استدار بها البحر استدارة السوار بالزند ، وألبس ذلك الجسم حلل العرار والرند ، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد ، وكتب بخضاب الربيع على نقاء ذلك النهد ،

--> ( 1 ) وردت هذه العبارة في ( ع ) : « ذا أبنية مثبتة ، وعمارة مكفّتة » . ( 2 ) وردت في ( ع ) : « الأعمال » . ( 3 ) وردت في ( ع ) : « برهان » . ( 4 ) وردت في ( ع ) : « نحول » . ( 5 ) وردت في ( ع ) : « نبتت » . ( 6 ) وردت في ( م ) : « الأراضي » . ( 7 ) وردت في ( ع ) : « نباتها » . ( 8 ) ما بين القوسين ساقط من ( ع ) .